أبي منصور الماتريدي

143

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

استغفروا ربكم ثم توبوا إليه واحدا . ويحتمل على التقديم والتأخير توبوا إليه ثم استغفروا ما كان منكم من المساوي ، أي : أقبلوا إلى طاعة الله واندموا على أفعالكم . وقوله : اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ : معلوم أن هودا لم يرد بقوله : اسْتَغْفِرُوا أن يقولوا : نستغفر الله ، ولكن أمرهم أن يطلبوا السبب الذي به تجب لهم المغفرة وتحق وهو التوحيد ، كأنه قال : وحدوا ربكم فآمنوا به ثم توبوا إليه ، أو يقول : اطلبوا المغفرة بالانتهاء عن الكفر ؛ كقوله تعالى : إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ [ الأنفال : 31 ] . وقوله - عزّ وجل - : يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ : قال بعض أهل التأويل : إنه قد كان انقطع عنهم المطر وانقطع نسلهم « 1 » ، فأخبر أنكم إن تبتم إلى الله ، واستغفرتم ربكم يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً . . . الآية حتى تناسلوا وتتوالدوا . ويحتمل قوله : وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً أي : يزدكم قوة أفعالكم إلى قوة أبدانكم ؛ لأنهم كانوا أهل قوة وأهل بطش بقولهم قالوا : من أشد منا قوة . ويحتمل على الابتداء : يرسل السماء عليكم مدرارا ، ويزدكم قوة إلى قوتكم . فقوله : وَلا تَتَوَلَّوْا عما أدعوكم فيه ؛ فتكونوا مُجْرِمِينَ ولا تتولوا عما أدعوكم فيه ؛ فتكونوا مجرمين . المجرم قال أبو بكر : هو الوثاب في الإثم ، وقيل : هو المكتسب . وقوله - عزّ وجل - : قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ : على ما تدعونا إليه ، أو على ما تدعي من الرسالة ، فعند ذلك قال [ لهم هود ] « 2 » : إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ . وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا أي : ما نحن بتاركي عبادة آلهتنا عن قولك ، أي : بقولك ، كان لا يدعوهم هود إلى ترك عبادة آلهتهم بقوله خاصة ، ولكن قد دعاهم وأقام على فساد ذلك الحجج والبراهين ، لكنهم قالوا متعنتين مكابرين : وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ فيما تدعونا إليه ، وتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا . وقوله - عزّ وجل - : إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قيل : [ هو كان ] « 3 » يسب آلهتهم ويذكرهم بالعيب فيقولون : إن يعترك من بعض آلهتنا سوء أو يصيبوك بجنون وخبل ، فلا عجب « 4 » أن يصيبك منها فاجتنبها سالما ، فذلك يخرج منهم مخرج الامتنان ،

--> ( 1 ) ذكره البغوي بمعناه ( 2 / 388 ) ، وكذا أبو حيان في البحر ( 5 / 233 ) . ( 2 ) في ب : هود لهم . ( 3 ) في ب : كان هو . ( 4 ) في أ : فلا يجب .